ليلاً على الطريق
الطريق المُمهّد يجعل السياره، وكأنها تنزلق انزلاقاً عليه.. حلكة الليل, ولون السياره الأسود مع أضواءها جعلوا المشهد، وكأنه آتيٍ من أحدي أفلام ديزني القديمه.. داخل السياره كان (زاهر) يقود، وفي الخلف ترى ذلك الشخص المُمدّد على مقعديّ السياره، والدماء تنزف من جبهته بغزاره.. نظر (زاهر) للخلف, ووجد الدماء، وقد أفسدت المقعدين حتماً.. أطلق سُبّه بذيئه.. ياللعين!.. يفسد سيارتي أيضاً وهو ميت، ثم نظر للأفق ثانيةً حيث يبدو الطريق بلا نهايه.. بلا نهايه؟.. فكر في الكلمه قليلاً.. اليوم أنهى حياة كائن حي بيديه، ولكنه لم يبكِ على فعلته تلك، ولم يلم نفسه.. في الماضي عندما صدم ذلك الكلب الأجرب بسيارته حزن كثيراً، وذرف الكثير من الدمع.. أما الآن... يزيح بعضاً من خصلات شعره الطويل التي يبعثرها الهواء كلما دخل من النافذه على يساره.. يبحث عن علبة سجائره.. تباً!.. لقد نسى إحضارها.. أي ليله هذه؟.. نظر للمقعدين الخلفيين حيث جثة ذلك الرجل مُمدّده لا تتوقف عن نزف الدماء.. لما لا؟.. مد يده إلى معطف الرجل حيث أخرج علبة سجائره من جيبه.. سيستعير القداحه أيضاً.. من لم يأت بعلبة سجائره؛ بالتأكيد لم يجلب قداحته معه.. النفْس الأول مثل القُبله الأولى.. يسحبه للداخل.. نعم.. هكذا يستطيع أن يهداً، ويفكر.. البُحيره خاليه من الماره الآن.. لما لا... لا، لا، لا.. فكرة سيئه.. هذا المكان مليء دائماً بالمتشردين الذين يظنون أنفسهم في منتجع سياحي.. حسناً.. المقابر القديمه تبدو مكاناً مناسباً.. وهذه أيضاً فكره غير مريحه.. لا أعرف لما, ولكنها لا تريحني، ثم أنا لم أقتله ليحظى بدفنٍ جيد، ومقبره وكل تلك الأشياء التي يحصل عليها الرجل الجيد.. الرجل الجيد فقط، هو من يحصل على الأشياء الجيده.. ينظر للمرآه العاكسه للمشهد من خلفه.. الحقير.. كنت أريد التمثيل بجثته، ولكن الوقت لم يسعفني.. أعتقد أن أحدهم سمِع صوت الطلقه.. ينظر ليده؛ ليجد السيجاره وقد أسرعت بالإنتهاء؛ لتصبح مجرد عقب تافه صغير.. ألقاه من النافذه, وسحب سيجاره أخرى.. كل شيء يحدث بسرعه في هذه الليله.. لن أتفاجئ، لو قامت القيامه الآن.. أتمنى -فقط- أن تنتظر حتى أقوم بإخفاء ذلك الحقير.. لا أريد أن أقابل الله بجثته النجسه.. يعود للتفكير ثانيةً.. إذا أردت أن تخفي جثه فأين تخفيها؟.. ما الأماكن المتوفره في هذه المدينه اللعينه وتصلح لإخفاء جثه.. بحيره، مقابر، مستنقع، مقبرة السيارات.. مستنقع؟!.. نعم.. ذلك المستنقع الغريب عند أطراف المدينه.. كان يسمع أقاويل غريبه عنه، مثل أنه يأكل أي شيء يُلقى فيه.. مصنع الكيماويات الغريب هو السبب حتماً.. كان يُسرّب مخلفاته على ذلك المستنقع، مما يجعل أي شيء يُلقى فيه يتحلل بسرعه.. زاد من سرعة سيارته السوداء اللامعه التي تتألق تحت أضواء أعمدة الإناره الليليه.. هذا هو المكان المناسب حتماً.
***
من بعيد.. ظهر المستنقع.. المستنقع الذي يحوي مخلفات مدينه كامله.. كان يتألق تحت ضوء القمر الذي يبدو أنه أتى في ذلك المكان اليوم؛ ليرى فعلته.. غريب هو كمّ المخلفات التي يلقيها أهل المدينه.. يتوقف على بُعد خطوات من المستنقع، ثم يخرج من السياره، ويخطو ليقف أمام المستنقع قذر الرائحه.. مكان جيد لتجمعات الذباب هذه.. ينظر لبقعة من الزيت تسبح على ماءه، وقد سلّط القمر ضياءه عليها.. ينظر، ويتذكر.. ليته ما أعارها سيارته.. ليته ما فعل.
***
(مريم) الجميله ذات الضحكه المميزه، والغمّازتين على الخدين, والشعر الأسود الفاحم.. مَن مِن أثرياء المدينه لم يطلبها للزواج، ومَن مِنهُم لم يُعجب بها من النظره الأولى.. كانت أميرة الفتيات، وأطهرهُم.. إلى أن أتى اليوم.. أخذت السياره من أخيها (زاهر)؛ لتذهب لذلك الحفل الخاص بفتيات الجامعه.. غابت كثيراً، وعادت مُتأخره للغايه.. ركنت السياره بجانب المنزل، وخرجت؛ لتفتح الباب الخلفي، وتجلب حقيبتها.. عندما انحنت داخل السياره قابلها هو من الخلف.. فاجأها.. دفعها للداخل أكثر.. تصرخ، ولكن لا فائده.. لم يتأثر الوغد بصرخاتها الأنثويه الطالبه لأي استغاثه.. بعد أن ثبّتها في مكانها على المقعدين الخلفيين.. أنزل سرواله، وقام بعمله.
***
أنتبه (زاهر) لنفسه, وفاق من تلك الذكريات.. الذكريات التي لم يمر عليها سوى بضع ساعات فقط.. كشّر عن أنيابه.. ليتني لم أقتلك بهذه السرعه.. أتمنى الآن لو كنت حياً لأقتلك ألف مره.. هدأ، وهدأت أنفاسه الثائره.. لابد أن يُسرع، دوريات الشرطه تمر كثيراً من هنا لريبة المكان.. توجه ناحية السيارة، ثم فتح الباب الخلفي، وجذب جثة الرجل من قدميها بعنف.. يجرّه من قدميه نحو المستنقع.. مرحى بك في عالم لن ترى فيه سوى الظلام والمياه العفنه.. بأقصى قوه دفعه إلى الماء بيديه، ثم أكمل تحريكه نحو العمق بقطعة خشب كبيره.. وقف يتأمل المشهد.. من الجميل أن تتخلص من الخطيئه بهذه السهوله.. مكان جيد للتخلص من القذاره بالفعل.. أتجه نحو سيارته، وقبل أن يدخل نطق كلمته الأخيره.. وداعاً.. وداعاً يا.. يا أبى.

تمت
مصطفى اليماني
0 التعليقات:
إرسال تعليق