الوظيفة
أسير وحيداً .. في عتمة الليل .. الطريق طويل, والسماء مُلبدة بالغيوم . أضم معطفي حول جسدي أكثر كي أصد بعض طلقات الهواء الباردة التي تخترق ملابسي .. إنها الثالثة بعد منتصف الليل .. حيث لا تري سوي شخص يمر من هنا, وسيارة تمر من هناك, ولكن كل ما أستطيع التفكير فيه الأن .. هو والدتي المريضة, وأشقّائي الجوعي, ولكن لا يهم .. من الأن سيتحسن حالنا .. لن نعاني من قِلة المال .. لن ننتظر الصدقة التي تأتينا من المسجد كل شهر .. اليوم .. كان اليوم الأول لي في عملي الجديد .. عمل رائع هو, ومربح للغاية .. لقد أمضيت الكثير من عمري في البحث عن عمل, و أمضيت الكثير وأنا أعمل مُقابل الملاليم, ولكن هذا العمل يختلف .. مُريح جداً هو, ولكن عيبه الوحيد أنه يجعلك تعمل حتي وقتِ مُتأخر .. لا بأس .. لطالما عشِقت الليل, و...صوت خطوات .. تسير ورائي .. خطوات ثقيله .. أُجرب أن أُسرع فتُسرع ورائي .. أسير بخُطي هادئة فتفعل المثل .. لابد أنهم لصوص , ويريدون سرقتي .. لا .. لن يأخذوا مني مالي .. بعد شقاء يوم كامل لن أتنازل عنه .. أركض .. أركض بشدة .. يركضون ورائي ويأمرونني بالتوقف .. أصرخ بصوتِ عالِ :
- لا .. لن أتوقف .. تباً لكم .
ويصرخون بدورهم :
- قف أيها الوغد .. سوف نطلق النار .
وأركض .. أركض .. دقات حذائي القديم يعلوا صوتها فوق الأسفلت .. وصوت طلقاتهم في الهواء يخترق الصمت, وجدت زقاق علي جانب الطريق فدخلت .. الظلام شديد . أخرجت قداحتي لأبدد بها بعض الظلام الممتد, وتفحصت المكان علي ضوء القداحة الخافت, قمامة, والكثير منها أيضاً .. نظرت حولي ثانيةً حتي وجدت ما كنت أبحث عنه .. قضيب حديدي لامع ذو لونٍ رمادي .. أطبقت عليه قبضتيّ, ووقفت منتصباً .. أنتظر القادم من الخارج .. صوت أنفاسي اللاهثة يعلوا, وضربات قلبي تتسارع, وعيناي تتسعان علي آخرهما . أضغط بكلتا يديّ علي القضيب الحديدي, وأنتظر .. و..., لا شئ ! .. لا شئ ؟. أذهبوا ؟, أم ينتظرون خروجي لينقضّوا عليّ .. أنفاسي تهدأ .. نبضات قلبي تخفّ من وقعها قبل أن يكسر قلبي عظام صدري, وقبضتاي ترتخيان قبل أن يصبحا هما والقضيب المعدني جزءً واحداً .. أتحرك خطوة تلوا الأخري, وأنا ما زلت أتسائل . هل رحلوا ؟, حتي وصلت للمخرج أخيراً . اخرجت رأسي فقط .. نظرت يميناً ويساراً, ولكن لا شئ, فقط .. الظلام, وقمر يأبي أن ينير طريقي هذه الليلة. حسناً .. يبدو أنهما قد رحلا .. الأوغاد ! .
***
لا أدري ماذا كان سيحدث لو واجهتهم, بالتأكيد لم أكن لأنجوا منهم .. من الجيد أنني أقترب من المنزل, تبقي خمسة مباني وأصل, أصل حيث الدفئ والأمان والأطمئنان, و... صوت طلقة في الهواء تقطع علي أفكاري, وصوت آخر يقول :
- أستدر, وألقي ما في يدك .
ألقي ما في يدي ؟. يبدو أنني نسيت و لم ألقي القضيب المعدني من يدي, ولكن لا .. لن أتوقف عند هذا, رميت القضيب المعدني خلفي وركضت, ركضت ولم أوقف.
ولم أتوقف .. رصاصة تخترق ظهري, وعندما أستدرت وجدت الأخري تستقر في صدري, وقبل أن أسقط علي الأرض رأيتهم .. كانا شخصين .. يرتديان ملابس سوداء .. وجدتهما يقتربان مني .. مد أحدهم يده داخل ملابسي ليُخرج مالي .. سمعتهما يتحدثان, وقبل أن أُغلق عيناي سمعتهما يقولان :
- ألم أقل لك .. إنه الوغد الذي قام بإقتحام فيللا المعادي الليلة .. يبدو أنه كان مُبتدِءً في ما فعله .
- حسناً .. فلتطلب سيارة إسعاف لتنقله من هنا , ولتخطر القسم أننا قمنا بالقبض علي المُجرم الهارب !.
كان هذا ما سمعته .. قبل أن أغيب عن الوعي .
تمت بحمد الله
مصطفى اليماني

0 التعليقات:
إرسال تعليق