كان حوارُ مع صديق لي حينما أخبرني أن السينما مثل العفريت!، الأمريكيين أستطاعوا تحضيرة, بينما نحن لم نستطع ذلك.. بعدها ظللت أفكر.. لماذا لم نستطع تحضير عفريتنا الخاص بالسينما, وما الذي يمنعنا من فعلها؟؟.. في الواقع لم أفكر كثيراً حتي أتت الإجابة واضحة وضوح اللحمة في طبق البامية!، والإجابة هي أننا إلي الأن ما زلنا نعتقد أن الأمر مجرد لعبة.. مجرد (فيلم ظريف) تصنعه ليشاهد من يشاهد, ثم تجمع ما حصّله شباك التذاكر .
الفكرة أننا ما زلنا نتخذ كل ما في حياتنا علي أنه لعبة أو تسلية إن صح التعبير.. هناك الكثير ممن يذهبون إلي لجان الإنتخابات -فقط- ليشاهدوا ما يحدث من مشاحنات ومعارك, أو يحظوا ببعض النقود ثمناً لإعطاء صوتهم لشخصِ ما.. هؤلاء لا يعرفون أن الأمر ليس مجرد لعبة أو تسلية, وأن الأمر ربما يتوقف عليه حياتك في تلك البلد بعد ذلك.
في إحدي المرات كنت ماراً بجوار القصر العيني, ففكرت في الدخول لتنظيف أسناني وحشو ضرس أتت عليه الباكتيريا -ربما لأنني لم أستخدم سيجنل 2- ! وبعد السؤال عن القسم الخاص بالأسنان, والكثير من (خش يمين, لأ الناحية التانية, لأ أرجع تاني وخش شمال) وصلت أخيراً للطابق الخاص بالأسنان أيضاً بعد الوقوف ساعة كاملة حتي أستطيع قطع التذكرة ذات السعر الرمزي .. ظللت واقفاً لمدة تزيد عن الساعتان أمام الغرفة المخصصة للعلاج, إلي أن سمعت أسمي فدخلت .. كان المشهد بالداخل غريباً للغاية .. الكثير من مقاعد علاج الأسنان والكثير من الأطباء الذين عرفت فيما بعد أنهم (طلبة تحت التمرين وبيتمرنوا علينا) ! .. ظللت واقفاً حتي أصطفاني أحدهم وأجلسني علي مقعد العمل الخاص به .. ما يقرب من النصف ساعة وأنا جالس وفاتح فمي في إنتظار الطبيب حتي يعمل بداخله, ولكنه لم يأتي .. أعتدلت في جلستي ؛ لأجد الجميع وقد فتحوا أفواههم علي آخرها ولكن لا أحد يعمل بدخلها أيضاً .. ما الأمر ؟ .. نعم .. الأطباء يقفون مع بعضهم ويتبادلوا النكات ويحكون عما حدث أمس .. فجأة تجرأت أحدي المريضات من كبار السن ونادت علي الطبيبة التي من المفروض أن تعمل علي إصلاح فمها ؛ لتخبرها أنها (ست كبيرة ولسه وراها مشاوير) لتفاجئها الطبيبة بالرد : " ما تمشي وأنا أعمل لكِ أية يعني " .. ذلك الرد الذي جعلني أنتصب واقفاً لأغادر المكان فوراً .
أنا وغيري لا تستطيع تحمل مصاريف طبيب الأسنان الخاص التي تكون مرتفعة دائماً, ولكن هؤلاء الأطباء -الطلبة- لا يعرفون ذلك هم -فقط- يعرفون أن الأمر مجرد لعبة أو تسلية ..
وماذا عن عُمّال الفرن الذين يعطلون الناس ساعتان كاملتان -فقط- لأنهم (بيفطروا) وأنهم (لازم يظبطوا دماغهم عشان يعرفوا يشتغلوا) , وذلك الشخص الذي يستمتع بإمساك خرطوم المياه ورش الشارع عشان (إديها ميه تديك طراوة) غير مبالي بمن قد تنزلق أقدامهم جرّاء المياه التي حولت الأرض إلي أوحال .
كل ذلك يؤكد لنا أننا ما زلنا نعتقد أن (الأمر) -أياً كان هو- مجرد لعبة أو تسلية .. بينما الأمريكيين صعدوا إلي القمر لأنهم أخذوا الخيال علي محمل الجد, ولم يعتبروا الأمر مجرد لعبة أو تسلية .
أمّا عنّي, فأنا سأكتفي بمشاهدة عفاريت الغرب حتي نستطيع تحضير عفريتنا الخاص !
إلي اللقاء
مصطفي اليماني

عجبنى جدا المقال ، لكن اسمحلى اختلف مع حضرتك ، هما مش واخدين المسألة لعبة - يعنى معظمهم مش واخدها لعبة- الموضوع ببساطة انهم مش حاسين انهم هيتقدروا او هيلاقوا قيمتهم ، مش حاسين انها بلدهم عشان يتعبوا عشانها ، يعنى مثلا دكاترة الطب اللى حظك وقعك معاهم ، عارفين كويس انهم بعض 7 سنين و3 كمان عشان يبقى معترف بيهم مش هيلاقوا عيادة يبتدوا بيها مستقبلهم ، يعنى ممكن ناس تكون واخدة الموضوع تسلية زى ما حضرتك قلت ، وممكن ناس تكون حاسة انها خلاص مبقتش فارقة يشتغلوا او لا لانه كله محصل بعضه
ردحذفشكراً علي التعليق أولاً ..
ردحذفأما بالنسبة لشعورنا بأننا لن نأخذ حقنا في تلك البلد ؛ فهذا لا يعني أن نتصرف تلك التصرفات السلبية الغريبة اللا إنسانية .. الطبيب مثلاً عندما يحلف القَسم ويقسم أن يدافع عن شرف المهنة وأن يرعي الناس من خلال مهنتة .. عندما يفعل كل ذلك هو إذن ملزم به فعلياً .. أما الأن فعندما يتعثر أحدهم في مهنتة أو يقلّ راتبة , يكون علي إستعداد لمخالفة كل تلك القواعد وحتي القواعد البشرية منها -الرحمة- . مثال آخر : أزمة المحامين القائمة هذه الأيام مثلاً .. حتي لو تخيلنا أو فرضنا أن المحامين مظلومين في كل ما يحدث , ذلك لا يدفعهم لترك الأبرياء في السجون دون دفاع عنهم بحجة (الإضراب) .. عندما أسير في أحد الشوراع ؛ فأجد عامل النظافة يقوم بعملة علي أكمل وجه , وأدخل عيادة طبيب أو مشفي ما فأجد الجميع في حالة من اللامبالاة وعدم الإهتمام .. حينها -فقط- أدرك أن المال ليس العامل الرئيسي فيما يحدث .
آسف .. أطلت في الرد , وشكراً مرة أخري للمرور والرد الرائع .